القرطبي

347

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقيل : " من " للبدل وليست بزائدة ولا مبعضة ، أي لتكون المغفرة بدلا من الذنوب . ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) يعني الموت ، فلا يعذبكم في الدنيا . ( قالوا إن أنتم ) أي ما أنتم . ( إلا بشر مثلنا ) في الهيئة والصورة ، تأكلون مما نأكل ، وتشربون مما نشرب ، ولستم ملائكة . ( تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ) من الأصنام والأوثان ( فأتونا بسلطان مبين ) أي بحجة ظاهرة ، وكان محالا منهم ، فإن الرسل ما دعوا إلا ومعهم المعجزات . قوله تعالى : قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ( 11 ) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدنا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ( 12 ) قوله تعالى : ( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ) أي في الصورة والهيئة كما قلتم . ( ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ) أي يتفضل عليه بالنبوة . وقيل ، بالتوفيق والحكمة والمعرفة والهداية . وقال سهل بن عبد الله : بتلاوة القرآن وفهم ما فيه . قلت : وهذا قول حسن ، وقد خرج الطبري من حديث ابن عمر قال قلت لأبي ذر : يا عم أوصني ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال : " ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيه صدقة يمن بها على من يشاء من عباده وما من الله تعالى على عباده بمثل أن يلهمهم ذكره " . ( وما كان لنا إن نأتيكم بسلطان ) أي بحجة وآية . ( إلا بإذن الله ) أي بمشيئته ، وليس ذلك في قدرتنا ، أي لا نستطيع أن نأتي بحجة كما تطلبون إلا بأمره وقدرته ، فلفظه لفظ الخبر ، ومعناه النفي ، لأنه لا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه . ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) تقدم معناه .